حول موقف الحكومة التونسية من الحجاب

حول موقف الحكومة التونسية من الحجاب

دعا السلطات التونسية للتراجع عن موقفها من الحجاب
فضل الله: الحجاب التزام إسلامي وليس مختصاً بمسؤولية الدولية

أصدر سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، بياناً أسف للموقف الأخير "المثير" من قِبَل السلطات في تونس الذي يحاول أن يبرّر منع الحجاب وطنياً بحجّة أنه ظاهرة مستوردة أو بزعم أنه حال طائفية لا علاقة لها بالإسلام، وجاء في البيان :

أوَّلاً: إن هذا الاتجاه السلبي ضدّ الحجاب، يمثِّل نوعاً من أنواع الاضطهاد الإنساني للمرأة المسلمة الملتزمة بالحجاب، وتقييداً للحريات العامة والخاصة، في الحق الذي يملكه الإنسان في اختيار اللباس الذي يلبسه، ولاسيما إذا كانت بعض خصوصياته تمثل التزاماً دينياً لا يملك المسلم في التزامه الشرعي أن يتجاوزه، والحجاب في الإسلام يمثل حكماً شرعياً إلزامياً لا بد للمسلمة من التقيّد به.

ثانياً: إن إثارة مسألة الحجاب على أساس كونه تعبيراً عن رمز ديني، في الوقت الذي لا نجد مثل هذه الشدّة في إثارة الجدل بالنسبة إلى الرموز الدينية الأخرى، يوحي بأن هناك عقدة مستعصية لدى الغربيين ضد الإسلام في التزامات المسلمات المقيمات في أوروبا، ولاسيما بعد انتشار الحساسية ضد الإسلام كنتيجة لإثارة التهمة بالاتجاه الإرهابي للدين الإسلامي وللمسلمين، الأمر الذي جعل المسلمات المحجبات يشعرن بالخوف والحرج من ارتداء الحجاب الذي يوحي بصفتهن الدينية الإسلامية، ما قد يعرّضهن في بعض البلدان أو المجتمعات للاعتداء المادي والمعنوي.

ثالثاً: إن الحديث عن اعتبار الحجاب ظاهرةً مستوردةً، يدل على جهلٍ بالشريعة والتاريخ، لأن الحجاب كان منذ الدعوة الإسلامية في المدينة، حيث كانت المسلمات يؤكّدن في سلوكهن الشرعي الالتزام به منذ نزلت آية الحجاب. واستمرت المسيرة الإسلامية في كل بلاد المسلمين على ذلك النهج. ثم ما معنى اعتباره حالاً طائفية، في الوقت الذي يعرف الجميع أنّه حال إسلامية عامة، لم يستوردها المسلمون من الآخرين؟ وإذا كانت بعض الشعوب غير الإسلامية تلتزم به كتقليد من تقاليدها الشعبية أو الدينية، فليس ذلك منطلقاً من أصالتها في السير عليه، ليكون الالتزام به على أساس إيمانها بالشريعة.

رابعاً: إن مسألة الحجاب ليست من مهام الدولة في نظامها الاجتماعي، بل هي مسألة شخصية تتصل بحرية الإنسان في ما يختاره في لباسه، تماماً كالحريات الخاصة. ومن الطريف أن بعض المسؤولين في هذه الدولة أو تلك، يتحدث عن الاحتشام في اللباس، ولكنه لا يمنع اللاتي لا يلتزمن به في أكثر من موقع اجتماعي أو سياحي، ما يوحي بأن القضية ليست قضية توجيه قانوني اجتماعي للحفاظ على المسألة الأخلاقية، بل هي تقليد غربي مستورد من المفاهيم الغربية في طريقة الحياة، لإثبات حال التحرر من التقاليد الإسلامية، ليحصلوا على تأييد الغربيين لهم.

خامساً: إذا كانت الحيثية التي تختفي وراء قانون منع الحجاب في المدارس هي الانطباع السيئ الذي تتركه المرأة المحجبة في نفوس الطلاب، فإن ذلك لا يرتكز على أساس نفسي، لأنَّ من الممكن أن يقول الملتزمون بالحجاب، إنّ نزعه قد يترك انطباعاً سلبياً في نفوسهم. هذا، فضلاً عن أن هذه المسألة لا تقتصر على مقاعد الدراسة، بل تمتد إلى كل مواقع المجتمع المختلط الذي يمارس فيه الناس حرياتهم العامة التي قد تؤدي إلى اعتيادهم على هذا التنوّع الذي يمثل مظهراً حضارياً، تماماً كما هي الأزياء المتنوعة للشعوب.

سادساً: إن منع الفتيات المحجبات من دخول المدارس والجامعات يتنافى مع قانون الحريات، ومع الديموقراطية، ويحرم الكثير من الملتزمات من متابعة التقدم في مراحل الدراسة، إذا لم تكن لديهن الظروف الملائمة للدخول في المدارس الإسلامية الخاصة، ما يمثل اضطهاداً تربوياً بعيداً عن القيمة الإنسانية.

سابعاً: إن التنوع الديني في حركة الحريات العامة في المجتمع المتنوع، يمثّل حالاً حضارية تتنوع في مواقعها وممارساتها، وتؤكد التعايش بين مختلف الحضارات، وتوحي بالتعارف الثقافي في الانفتاح على الحوار بين الديانات، في ما قد تثيره التنوعات من التطلع إلى المعرفة لهذا الاتجاه الديني أو ذاك، ما قد يدفع المجتمع إلى تعرّف ثقافة هذا الدين أو ذاك.

ولعل من اللافت أن مسألة منع الحجاب لم تأخذ مسارها في الولايات المتحدة الأميركية التي تؤكد الحريات الخاصة احتراماً لإنسانية الملتزمين دينياً، لأنّه ليست هناك عـقدة تاريخية للشعب هناك ضد الإسلام، بينما قد يختـزن الأوروبيون هذه العقدة في ثقافتهم، ما يجعل من الذين يتبعونهم من المسؤولين في البلاد الإسلامية، يتشبَّهون بهم للحصول على شهادات الغرب بأنهم حضاريون يأخذون بأسباب المدنية الغربية، في الوقت الذي يمارسون اضطهاد الشعب في حرياته السياسية وحقوقه المدنية.

ثامناً: إننا نعتقد أن إطلاق حرية الحجاب الإسلامي ـ بستر المرأة جسدها وإظهار الوجه والكفَّين ـ لا يمنع المرأة من حركتها في المجتمع، في الوقت الذي يجعلها تبرز كإنسانٍ يوحي بالجانب الإنساني في شخصيتها، لا بالجانب الأنثوي المثير للغرائز، دون أن يمنعها حجابها من ممارسة أنوثتها في البيت الزوجي، أو في المجتمع النسائي، حيث لا يخلق أي نوع من الإثارة.

تاسعاً: إن من اللافت أن يحتج قادة الاضطهاد للمرأة الملتزمة، بأن حريتها في دخول المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية تتنافى مع النظام العلماني، وهي حجة غير دقيقة، لأن النظام العلماني لا يقوم على اضطهاد الطلاب في الالتزام بالخصوصيات الدينية، ولاسيما أن العلمانية لا تضطهد الحريات الدينية، بل تقتصر على عدم اعتباره قاعدة للحكم وللقانون في الدولة. ثم إن مسألة الالتزام بالحجاب في الممارسات العامة للناس، هي أكثر خطورةً من الالتزام به في الجانب التربوي.

عاشراً: إن قوانين منع الحجاب للطالبات الملتزمات في المدارس، يمثل اضطهاداً عنصرياً للناس لا يلتقي بالديموقراطية من قريب أو بعيد، ويخلق حالاً سياسية ضد النظام العلماني لدى الناس.

أخيراً: إننا ننصح البلدان الإسلامية أن تلغي هذا القانون اللاإنساني المتعسف، وأن تتجه إلى رفع المستوى الثقافي الحضاري للناس، وأن تنفتح على القيم الإسلامية الإنسانية التي ترتكز على الخط الأخلاقي الذي يرتفع بالإنسان إلى المضمون الروحي الذي يلتقي فيه بالإنسان المختلف عنه على أساس التعارف والتواصل والانفتاح.

كما نريد للدول الأوروبية التي قد تتحرك فيها هذه الدعوات السلبية ضد الحجاب، أن تبتعد عن هذا النهج اللاإنساني ضد المسلمات الملتزمات، انطلاقاً من الإيمان بالحريات العامة التي ارتضاها الغرب لنظامه، إضافةً إلى أن المسلمين أصبحوا يمثلون جالية كبرى كجزء من هذا المجتمع الأوروبي أو ذاك، حتى لا يستغل الآخرون مثل هذا التعقيد الخاص لإيجاد بعض الحالات السلبية التي لا تنفع المجتمع في أي شأن من شؤونه.

إننا ندعو إلى حوار حضاري يتفهم فيه أصحاب الديانات المختلفة والحضارات المتنوعة، وجهات النظر الثقافية للخلفيات الكامنة وراء هذا الالتزام أو ذاك، وفي نطاق هذه الشرعية أو تلك، فذلك هو الذي يحقق للمجتمع كله السلام الروحي والثقافي والاجتماعي.

مكتب سماحة المرجع آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله

التاريخ: 08 شوال 1427هـ الموافق: 30 تشرين الأول2006م

"المكتب الإعلامي"

دعا السلطات التونسية للتراجع عن موقفها من الحجاب
فضل الله: الحجاب التزام إسلامي وليس مختصاً بمسؤولية الدولية

أصدر سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، بياناً أسف للموقف الأخير "المثير" من قِبَل السلطات في تونس الذي يحاول أن يبرّر منع الحجاب وطنياً بحجّة أنه ظاهرة مستوردة أو بزعم أنه حال طائفية لا علاقة لها بالإسلام، وجاء في البيان :

أوَّلاً: إن هذا الاتجاه السلبي ضدّ الحجاب، يمثِّل نوعاً من أنواع الاضطهاد الإنساني للمرأة المسلمة الملتزمة بالحجاب، وتقييداً للحريات العامة والخاصة، في الحق الذي يملكه الإنسان في اختيار اللباس الذي يلبسه، ولاسيما إذا كانت بعض خصوصياته تمثل التزاماً دينياً لا يملك المسلم في التزامه الشرعي أن يتجاوزه، والحجاب في الإسلام يمثل حكماً شرعياً إلزامياً لا بد للمسلمة من التقيّد به.

ثانياً: إن إثارة مسألة الحجاب على أساس كونه تعبيراً عن رمز ديني، في الوقت الذي لا نجد مثل هذه الشدّة في إثارة الجدل بالنسبة إلى الرموز الدينية الأخرى، يوحي بأن هناك عقدة مستعصية لدى الغربيين ضد الإسلام في التزامات المسلمات المقيمات في أوروبا، ولاسيما بعد انتشار الحساسية ضد الإسلام كنتيجة لإثارة التهمة بالاتجاه الإرهابي للدين الإسلامي وللمسلمين، الأمر الذي جعل المسلمات المحجبات يشعرن بالخوف والحرج من ارتداء الحجاب الذي يوحي بصفتهن الدينية الإسلامية، ما قد يعرّضهن في بعض البلدان أو المجتمعات للاعتداء المادي والمعنوي.

ثالثاً: إن الحديث عن اعتبار الحجاب ظاهرةً مستوردةً، يدل على جهلٍ بالشريعة والتاريخ، لأن الحجاب كان منذ الدعوة الإسلامية في المدينة، حيث كانت المسلمات يؤكّدن في سلوكهن الشرعي الالتزام به منذ نزلت آية الحجاب. واستمرت المسيرة الإسلامية في كل بلاد المسلمين على ذلك النهج. ثم ما معنى اعتباره حالاً طائفية، في الوقت الذي يعرف الجميع أنّه حال إسلامية عامة، لم يستوردها المسلمون من الآخرين؟ وإذا كانت بعض الشعوب غير الإسلامية تلتزم به كتقليد من تقاليدها الشعبية أو الدينية، فليس ذلك منطلقاً من أصالتها في السير عليه، ليكون الالتزام به على أساس إيمانها بالشريعة.

رابعاً: إن مسألة الحجاب ليست من مهام الدولة في نظامها الاجتماعي، بل هي مسألة شخصية تتصل بحرية الإنسان في ما يختاره في لباسه، تماماً كالحريات الخاصة. ومن الطريف أن بعض المسؤولين في هذه الدولة أو تلك، يتحدث عن الاحتشام في اللباس، ولكنه لا يمنع اللاتي لا يلتزمن به في أكثر من موقع اجتماعي أو سياحي، ما يوحي بأن القضية ليست قضية توجيه قانوني اجتماعي للحفاظ على المسألة الأخلاقية، بل هي تقليد غربي مستورد من المفاهيم الغربية في طريقة الحياة، لإثبات حال التحرر من التقاليد الإسلامية، ليحصلوا على تأييد الغربيين لهم.

خامساً: إذا كانت الحيثية التي تختفي وراء قانون منع الحجاب في المدارس هي الانطباع السيئ الذي تتركه المرأة المحجبة في نفوس الطلاب، فإن ذلك لا يرتكز على أساس نفسي، لأنَّ من الممكن أن يقول الملتزمون بالحجاب، إنّ نزعه قد يترك انطباعاً سلبياً في نفوسهم. هذا، فضلاً عن أن هذه المسألة لا تقتصر على مقاعد الدراسة، بل تمتد إلى كل مواقع المجتمع المختلط الذي يمارس فيه الناس حرياتهم العامة التي قد تؤدي إلى اعتيادهم على هذا التنوّع الذي يمثل مظهراً حضارياً، تماماً كما هي الأزياء المتنوعة للشعوب.

سادساً: إن منع الفتيات المحجبات من دخول المدارس والجامعات يتنافى مع قانون الحريات، ومع الديموقراطية، ويحرم الكثير من الملتزمات من متابعة التقدم في مراحل الدراسة، إذا لم تكن لديهن الظروف الملائمة للدخول في المدارس الإسلامية الخاصة، ما يمثل اضطهاداً تربوياً بعيداً عن القيمة الإنسانية.

سابعاً: إن التنوع الديني في حركة الحريات العامة في المجتمع المتنوع، يمثّل حالاً حضارية تتنوع في مواقعها وممارساتها، وتؤكد التعايش بين مختلف الحضارات، وتوحي بالتعارف الثقافي في الانفتاح على الحوار بين الديانات، في ما قد تثيره التنوعات من التطلع إلى المعرفة لهذا الاتجاه الديني أو ذاك، ما قد يدفع المجتمع إلى تعرّف ثقافة هذا الدين أو ذاك.

ولعل من اللافت أن مسألة منع الحجاب لم تأخذ مسارها في الولايات المتحدة الأميركية التي تؤكد الحريات الخاصة احتراماً لإنسانية الملتزمين دينياً، لأنّه ليست هناك عـقدة تاريخية للشعب هناك ضد الإسلام، بينما قد يختـزن الأوروبيون هذه العقدة في ثقافتهم، ما يجعل من الذين يتبعونهم من المسؤولين في البلاد الإسلامية، يتشبَّهون بهم للحصول على شهادات الغرب بأنهم حضاريون يأخذون بأسباب المدنية الغربية، في الوقت الذي يمارسون اضطهاد الشعب في حرياته السياسية وحقوقه المدنية.

ثامناً: إننا نعتقد أن إطلاق حرية الحجاب الإسلامي ـ بستر المرأة جسدها وإظهار الوجه والكفَّين ـ لا يمنع المرأة من حركتها في المجتمع، في الوقت الذي يجعلها تبرز كإنسانٍ يوحي بالجانب الإنساني في شخصيتها، لا بالجانب الأنثوي المثير للغرائز، دون أن يمنعها حجابها من ممارسة أنوثتها في البيت الزوجي، أو في المجتمع النسائي، حيث لا يخلق أي نوع من الإثارة.

تاسعاً: إن من اللافت أن يحتج قادة الاضطهاد للمرأة الملتزمة، بأن حريتها في دخول المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية تتنافى مع النظام العلماني، وهي حجة غير دقيقة، لأن النظام العلماني لا يقوم على اضطهاد الطلاب في الالتزام بالخصوصيات الدينية، ولاسيما أن العلمانية لا تضطهد الحريات الدينية، بل تقتصر على عدم اعتباره قاعدة للحكم وللقانون في الدولة. ثم إن مسألة الالتزام بالحجاب في الممارسات العامة للناس، هي أكثر خطورةً من الالتزام به في الجانب التربوي.

عاشراً: إن قوانين منع الحجاب للطالبات الملتزمات في المدارس، يمثل اضطهاداً عنصرياً للناس لا يلتقي بالديموقراطية من قريب أو بعيد، ويخلق حالاً سياسية ضد النظام العلماني لدى الناس.

أخيراً: إننا ننصح البلدان الإسلامية أن تلغي هذا القانون اللاإنساني المتعسف، وأن تتجه إلى رفع المستوى الثقافي الحضاري للناس، وأن تنفتح على القيم الإسلامية الإنسانية التي ترتكز على الخط الأخلاقي الذي يرتفع بالإنسان إلى المضمون الروحي الذي يلتقي فيه بالإنسان المختلف عنه على أساس التعارف والتواصل والانفتاح.

كما نريد للدول الأوروبية التي قد تتحرك فيها هذه الدعوات السلبية ضد الحجاب، أن تبتعد عن هذا النهج اللاإنساني ضد المسلمات الملتزمات، انطلاقاً من الإيمان بالحريات العامة التي ارتضاها الغرب لنظامه، إضافةً إلى أن المسلمين أصبحوا يمثلون جالية كبرى كجزء من هذا المجتمع الأوروبي أو ذاك، حتى لا يستغل الآخرون مثل هذا التعقيد الخاص لإيجاد بعض الحالات السلبية التي لا تنفع المجتمع في أي شأن من شؤونه.

إننا ندعو إلى حوار حضاري يتفهم فيه أصحاب الديانات المختلفة والحضارات المتنوعة، وجهات النظر الثقافية للخلفيات الكامنة وراء هذا الالتزام أو ذاك، وفي نطاق هذه الشرعية أو تلك، فذلك هو الذي يحقق للمجتمع كله السلام الروحي والثقافي والاجتماعي.

مكتب سماحة المرجع آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله

التاريخ: 08 شوال 1427هـ الموافق: 30 تشرين الأول2006م

"المكتب الإعلامي"

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير